مجمع البحوث الاسلامية
111
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
لا يهتدي إلى هدف الإجابة ، كدعاء من لا يسمع أو لا يقدر على الاستجابة . فهو تعالى لما ذكر في الآيات السّابقة أنّه عليم بكلّ شيء وأنّ له القدرة العجيبة ، ذكر في هذه الآية أنّ له حقيقة الدّعاء والاستجابة ، فهو مجيب الدّعاء ، كما أنّه عليم قدير ، وقد ذكر ذلك في الآية بطريقي الإثبات والنّفي ، أعني إثبات حقّ الدّعاء لنفسه ونفيه عن غيره . أمّا الأوّل فقوله : لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وتقديم الظّرف يفيد الحصر ، ويؤيّده ما بعده من نفيه عن غيره . وأمّا الثّاني فقوله : وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ وَما هُوَ بِبالِغِهِ وقد أخبر فيه أنّ الّذين يدعوهم المشركون من دون اللّه لا يستجيبون لهم بشيء ، وقد بيّن ذلك في مواضع من كلامه . فإنّ هؤلاء المدعوّين إمّا أصنام يدعوهم عامّتهم ، وهي أجسام ميّتة لا شعور فيها ولا إرادة ، وإمّا أرباب الأصنام من الملائكة أو الجنّ وروحانيّات الكواكب والبشر ، كما ربّما يتنبّه له خاصّتهم ، فهم لا يملكون لأنفسهم ضرّا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا ، فكيف بغيرهم وللّه الملك كلّه ، وله القوّة كلّها ، فلا مطمع عنده غيره تعالى . ثمّ استثنى من عموم نفي الاستجابة صورة واحدة فقط ، وهي ما يشبه مورد المثل المضروب بقوله : كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ وَما هُوَ بِبالِغِهِ . فإنّ الإنسان العطشان إذا أراد شرب الماء ، كان عليه أن يدنو من الماء ، ثمّ يبسط كفّيه ، فيغترفه ويتناوله ، ويبلغ فاه ويرويه ، وهذا هو حقّ الطّلب يبلغ بصاحبه بغيته في هدى ورشاد . وأمّا الظّمآن البعيد من الماء يريد الرّيّ ، لكن لا يأتي من أسبابه بشيء ، غير أنّه يبسط إليه كفّيه يبلغ فاه ، فليس يبلغ ألبتّة فاه ، وليس له من طلبه إلّا صورته فقط . ومثل من يدعو غير اللّه سبحانه مثل هذا الباسط كفّيه إلى الماء ليبلغ فاه ، وليس له من الدّعاء إلّا صورته الخالية من المعنى ، واسمه من غير مسمّى ، فهؤلاء المدعوّون من دون اللّه لا يستجيبون للّذين يدعونهم بشيء ، ولا يقضون حاجتهم إلّا كما يستجاب لباسط كفّيه إلى الماء ، ليبلغ فاه ويقضي حاجته ، أي لا يحصل لهم إلّا صورة الدّعاء ، كما لا يحصل لذلك الباسط إلّا صورة الطّلب بسط الكفّين . ومن هنا يعلم أنّ هذا الاستثناء إِلَّا كَباسِطِ كَفَّيْهِ إلخ ، لا ينتقض به عموم النّفي في المستثنى منه ، ولا يتضمّن إلّا صورة الاستثناء ، فهو يفيد تقوية الحكم في جانب المستثنى منه ، فإنّ مفاده أنّ الّذين يدعون من دون اللّه لا يستجاب لهم إلّا كما يستجاب لباسط كفّيه إلى الماء ولن يستجاب له ، وبعبارة أخرى لن ينالوا بدعائهم إلّا أن لا ينالوا شيئا ، أي لن ينالوا شيئا ألبتّة . وهذا من لطيف كلامه تعالى ، ويناظر من وجه قوله تعالى الآتي : قُلْ أَ فَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلا ضَرًّا الرّعد : 16 ، وآكد منه كما سيجيء إن شاء اللّه .